عطر الأحباب

لكل كاتب عطره الخاص، نستنشقه من خلال كتاباته، فتعبر كلماته إلى قلوبنا، فندمن هذا العطر، أنه عطر الأحباب!

5 يوليو 2013

حولية 5- بيتي!!





أحب بيتي رغم أنه  صغير و بسيط في كل شئ في الجدران والدهان ولا يمط لأي طراز, حتي الأثاث لا ينتمي إلي إتجاه لاهو مودرن ولا ستيل ولا أي شئ من هذه الأشياء ومازالت لا أعرف الفروق بين هذه الفئات فأنا ليس من هواة الفن التشكيلي في المنزل, فأنا أري المنزل يجب أن يكون بيتاً مريحاً وليس متحفاً أو معرضاً لعرض الأثاث!!
ونظرتي له ليس أنه بيتاً لكي أعيش فيه وأكل وأنام فقط..
ففيه أفعل كل شئ يحلو لي, ففي الصباح استيقظ وأعد وجبة الإفطار( بيض أومليت بالجبنة البيضاء) وكوب من النسكافيه – ويجب أن تكون القهوة أكتر من اللبن- وأسخن الخبز ثم أجلس لكي أشاهد المسلسل التركي ( أين أبنتي) والمسلسل إلي الآن لم يجدوا البنت ومازالوا يبحثون عنها, وفي الحقيقة أنا سئمت منهم ..ومن المسلسلات التركية بوجه عام ..ولكن لا يوجد أمامنا غيرهم..فماذا نفعل؟َ!!
وفي بيتي أعيش بطبيعتي أتناول طعامي و يتساقط فتات الطعام علي ملابسي  مثل الطفلة الصغيرة, و(جوجو) قطتي البيضاء و لا تتركني في حالي فتظل تقفز هنا وهناك وأنا أنظر لها في عصبية وأقول لها: هااا
فتقولي لي في عند: نيااااااااااه
ولا تخاف تظل تقفز لعلها تنال قطعة صغيرة من البيض ولكن عندما ينفذ صبري أصرخ!! فلا يعجبها هذا فتذهب إلي طبقها لكي تأكل من طعامها, وأنا أستشيت غضباً وأقول لها: ما كان من الأول ياهانم!!..
وبعد أن أنتهي من تناول الطعام, أستمع إلي القرآن الكريم بصوت عبد الباسط عبد الصمد هذا الشيخ الجليل أحب صوته الذي لا يحتاج إلي ميكرفون لكي يقرئ من خلاله, فهو يكفيه أن يقرأ بدون أي وسائل مساعدة, فأنا أشعر وكأن حنجرته من قوتها تحولت إلي ميكرفون, صوته به حلاوة وصدي يجعل قلبك يعرفه ويميزه لو في وسط مليون قارئ آخرين!!
وأجلس علي مكتبي وأكتب  كل ما أرغب في كتبته, فأنا لا أعرف أكتب إلا في بيتي حيث الهدوء والهواء النقي والموسيقي الهادئة التي لا تفارقني وأنا أكتب فهي رفيقة قلمي, وأعواد النعناع التي تنعشني  وتسحب أي أرهاق من ذهني فتجعل ذهني صافيا للكتابة ويرافقني صديقي الوفي: القهوة..فإذا كانت الكتابة لاتحلو بدون الموسيقي فهي لا تخرج للوجود بدون القهوة, فالقهوة هي روح الكتابة!!
وفي حجرتي نافذة صغيرة أقف فيها عندما أختنق من أحزاني, أقف فيها لكي أتنفس الهواء العليل وأراقب أبناء الجيران وهم يلعبون فأحيانا يتقمصون دور ((القرود)) فيصعدون علي الشجرة إلي أن يصلوه إلي أعلي غصن فيها ويقولون: مين عاوز موز؟ أحنا القرود!!
وأحياناً يحولون ( الحديقة  الصغيرة) إلي حلبه ويبدأون في التصارع ويضربون بعض والحكم واحد منهم يظل يراقبهم ويقوم أيضاً بدور الموسيقي التصويرية ويقول: تتتتااااااااه تيررررررررررراه..وسيلة لتحميس الطرفين لمزيداً من الضرب, ويظل جارنا يقول: وبعدين هتعوروا بعض..
ولا يلقون له بالاً, فالجميل في الأطفال إنهم لا يفعلون إلا ما يحبون أن يفعلوه, وعندما يريدون أن يستمتعوا لا يفكرون في العواقب يفكرون فقط في اللحظة, لحظة الاستمتاع فقط!
يجعلوني أضحك من قلبي وأشرد قليلاً عن أحزاني..
دائماً أري أن في البيت مكاناً نحبه ونستريح فيه, مكان لا نجده ألا في بيتنا نحن فقط, أنا بالنسبة لي  يظل ( ركن الصلاة) الذي صممته منذ 4 سنوات أجمل الأماكن في البيت, وضعت فيه مصحفي وعلقت خشبه علي الحائط ووضعت به السبح والبخور وبعض من العطور من المسك والصندل لكي أعطر به سجادتي وإسدالي, بمجرد أن أصلي في هذا المكان أشعر بطاقة من الروحنيات, وعندما تتضيق بي الدنيا أصلي وأجلس في هذا المكان فأجد قلبي أصبح مطمئناً وبه سكينة!!
وفي بيتي أستيقظ وقتما أردت وأنام وقتما أردت, وأطبخ ما أحب؟ وأشاهد ما أحب؟ وأغير ترتيب المنزل كيفما أحب.. فأنا سيدة المنزل وأديره ولا يملي عليه أحد رغباته, وعندما يزورني أحداً من عائلتي ويغير ترييب بعض الأشياء, استشيط غضبا لأن لا أحب أن يمسح أحداً بصماتي من المنزل, أحب أن تظل كما هي ..لأنه بيتي!!
والبيت  فيه روحي وعطري وملامحي هو جزء مني وأنا جزءً منه, فهو ( وطني الصغير) و حضني و مأمني من البشر, فيه أحتمي من الأوجاع وفيه أهرب من الآلام وفيه أبعد عن قسوة الوطن, وطني ( مصر) فأنا لم أعرف إلي الآن ماهو الوطن؟؟ فلقد تداخلت وتشابكت عند مفهوم الوطن!!
أنا أعلم أن الوطن هو  بيتي الكبير وهو المأمن وهو الحماية وهو الكرامة وهو أن أعيش إنسانة!!
ولكنه لم يصبح..
لم يصبح الوطن هو إذا صرخت لكي استنجد من مغالاة السائق في طلب الأجرة وارتفاع صوته عليه أنا وأصدقائي فسوف أجد الشباب جميعهم تجمعوا لكي يلقنوه درساً لا ينساه!!
لم يصبح الوطن هو الدفئ  ولا حضني ولا ملجأي!!
ولم يصبح الوطن عندما يمرض أحداً أنقذه بحياتي!!
ولم يصبح الوطن هو سقي الأرض بقليل من الماء أمام المنزل لكي يجعل الهواء عليل و (شاي العصاري) مع الجيران مهما أختلف عقائدهم أو أفكارهم..فالذي يجمعنا هو الحب والدفئ وكوب الشاي بالنعناع !!
ولم يصبح الوطن تناول الفينو الساخن مع الطعميه الساخنه مع الأصدقاء!!
ولم يصبح الوطن هي سماع فريد الأطرش وأم كلثوم في آخر الليل بعد أن ينهكنا النهار بمتطلباته!!
ولم يصبح الوطن وطن!!
ولكن الوطن أصبح الآن هو الغابة و القتل وسفك الدماء وهو الخوف, الخوف إذا نزلت قد أعود أو لا أعود؟!
وهو الأسلحة وهو الدم وهو السرقة وهو الفوضي!!
يخلقون الفوضي من أجل أن يخيفون الناس!!
فالله سبحانه وتعالي خلقنا نعشق الحرية ونحب الأمان..
وهو يهددون حياتنا بالإرهاب..لكي يرهبوننا ويسلبون منا أوطاننا..
ولكن وطنا  ليس معروض للبيع أو الإيجار..
وطنا هو ملكنا!!
وإلي أن نسترد وطنا..سوف ألتزم بيتي فهو مأويه من الأوجاع!!
فأنا أهرب من العذاب ليس ضعفاً ولكن لأن لا يوجد مكانا ً بي لم يطعن..
أنا مليئه بطعنات لا يراها غيري, فمثل طعن وطني أنا طعنت مثله!!
هل سوف يأتي اليوم الذي يصبح بيتي ووطني شيئاً واحداً!!
هل سوف يأتي اليوم الذي أترك باب بيتي مفتوحا وألا أخشي أن يقتحمه أحداً!!
هل سوف يأتي اليوم الذي أخرج فيه لوحدي دون أن أتلفت يمينا ويساراً خوفا من الناس!!
هل سوف يأتي اليوم الذي أسير فيه مع صديقت علي كورنيش النيل وأنا أكل الذرة المشوي دون أن نخشي شيئا!!
هل سوف أشعر بالإمان يوماً في وطني الكبير ولا أهرب منه في وطني الصغير (بيتي)!!
ولا أجد أجمل  من هذه الأغنية..لكي أختم بها..
إني اخترتك يا وطني حباً وطواعية
إني اخترتك يا وطني سراً وعلانية
إني اخترتك يا وطني
فليتنكر لي زمني
ما دمت ستذكرني
يا وطني الرائع يا وطني
يا وطني الرائع يا وطني
دائم القدرة يا قلبي
وإن بان في عيني الأسى
دائم الثورة يا قلبي
وإن صارت صفحاتي مسا

جئت في زمن الجزر
جئت في عز التعب
رشاش عنفٍ وغضب
وغضب وغضب وغضب.. وغضب


 مارسيل خليفة

2 يوليو 2013

حوليات 2- إعتذار روحي!!



( الإعتذار) قوة دائماً أراها كذلك, فمن القوة عندما الإنسان يخطأ إن يعتذر!!

وكنت أراه  إنه يشفي الجروح في لحظات وكما يقولون في الأمثال ( يتحط علي الجرح يطيب)


لكن أكتشفت مؤخراً ليس كل إعتذار يداوي الجرح الذي أصابك به إنسان, يتوقف قوة الجرح علي شيئاً واحداً مكانة الإنسان لديك ودوره في حياتك ومدي قربه منك فإذا صدر منه ما لم تتوقعه أو تتخيله, وقتها الجرح يكون جرحان وليس واحداً, جرح إنه لم يعرفك يوماً وجرح إنه لم ينتقي كلماتها وإنما صدرت منه دون أي تفكير, صفعك بكل ما أوتي من قوة علي روحك وأصعب الصفع هو صفع الروح و الوجه, كلاهما مؤلم وكلامها لا تستطيع أن تنسهم مهما طال الوقت ومهما طالت الأيام, لأن القلب لا ينسي ألمه ليس لأن كما يقولون الناس ( قلبه أسود) ولكن القلب حينما تغرس فيه سكينا حينما تنزعه يظل مكان الطعن موجوداً والنزيف لا يتوقف ولا يشفي بكلمة إعتذار!!



فالإعتذار ..لا يشفي الجروح العميقة ..ولكنه له مفعول السحر في شفاء الجروح السطحية !!
 


كيف تستطيع أن تشفي من ألمك  الذي ينتشر في سائر أجزاء جسدك ويضرب كل جزءً فيه بسوطاً من قلبك!!  كيف تستطيع أن تتخلص  من الغصة التي  في حلقك ومن شدتها تحاول أن ترتشف الماء لكي تأخد نفساً عميقاً لكي ترحل عنك والماء يفشل في رحيلها لأنها ليست في حلقك  وإنما في روحك!! كيف تستطيع أن تشفي وأنت عندما تراهم مرة أخري قلبك يعصف بألمه وكأنه يتمرد عليك لكي ترحل, يتوسل إليك لكي ترحمه من ألمه الذي لا يتوقف وإنك بهذا تجعله يتألم أكثر وهو الذي يحاول بإستمرار أن ينسي لكي يخفف عنك ألمك ولكنه يفشل في إيقاف  نزيف روحك!


حينها كلمة إعتذار لا تشفي..لإنها لا تناسب حجم الألم..حجم المعاناة..حجم البكاء..حجم الأرق!!


كلنا نخطأ في حق البشر, ولكن حينما نشعر بأننا سببنا لهم ألم, وجب علينا أن نجتهد بأن نفعل شيئاً كبير يشعرهم بتقديرنا لهم, نفعل شيئاُ كبيراً  نفرحهم مثلما كنا السبب في حزنهم وبكائهم أمامه القلب يشفي من جرحه ويتوقف النزيف نهائياً ويعود القلب كمان كان بدون ندبات أو جروح, يعود يدق فرحاً عندما ترهم مرة أخري!!

لكن إذا لم تفعل ذلك..فتأكد إن لا شئ سوف يعود كما كان..

حينما تتأخر في  (الإعتذار الروحي)  وليس فقط كلمة ( أنا آسف) لن يعود أي شئ كمان كان..

لن يعود..لإن حينما القلب يتألم ..العقل لا يستطيع أن يقف أمامه!!

لن يعود لإن كل يوم الجرح يكبر.. لكي يصدع القلب بأكمله!!

وحينما يصدع القلب لن تعود أي شئ كما كانت!!

ولكن هناك أخطاء لا تصفع الروح, كلمة الإعتذار حينها تكون كفيلة أن تمحي من ذاكرة قلبك أي ضيق أو حزن!!


أي شئ تصيب قلبك تؤلمك مهما كانت مكانة الناس لدينا,  ولكن حينما تأتي من ناس تحبهم تكون كالبركان الذي ينفجر في قلبك ويصهر روحك في لحظات’ تكاد تشعر وأنت تنصهر وتري حروقك بينما لا يراها أحداً غيرك!!

وحتي وإن لم يقصدوه, المهم النتيجة إنها صفعت قلبك وروحك!!


وهناك بشراً تتعمد ألمك..هؤلاء مرضي يعانون من نقص وحرمان من الحب, قلوبهم نزعت منها الرحمة وحينما يألموك يتنفسون الحقد والغل لإنك بكل بساطة أفضل منهم وهذا هو أيضا سبب كرههم لك, فيحاولون أن يألموك لكي يشعرون زيفاً إنهم الإفضل وهم في الحقيقة الأدني علي كل حال..فيحاولون أن يبحثوا عن الأشياء التي تنقصك لكي يركزوا عليها, وهؤلاء لا تلقي لهم بالاً ولا تتألم من أجلهم..لايستحقون ألمك,  أنظر لهم  بأنهم مرضي ويحتاجون أن يتعالجون من مرض القلوب, ربنا ينجينا من هذا المرض..فهو مرض يعمي القلب والبصر!!


ولكن رغم كل هذا أري أن ( الألم) نعمه, حينما تصفعك الحياة  فهو ( إنذار) لتخبرك ( برسالة)  معظمنا نتجاهلها, أحياناً تخبرك بأنك لا نتعلق بالبشر وإنما نتعلق بالله سبحانه وتعالي, وأحياناً تخبرك أن ليس جميع الناس تستحق أن تعاني من أجلهم ولكن ساعدهم وتعامل معهم بطبيعتك, وأحياناً تخبرك أن الطريق الذي تسكله خاطئ, وأحياناً تخبرك أنك لا تعتبر جميع الناس أصدقائك لإنهم لا يتعتبرونك هكذا فتعامل معهم إنهم بشراً في الحياة ولكن أهم شئ لا تضرهم,  وأحيانا لكي  تفكرك في نفسك قليلا بعد أن إنهكتها في التفكير للآخرين, وأحياناً لكي تسعي وتنجح في الحياة!! 


فكما الجسد يتألم لكي يخبرك بأنك مريض, هكذا ألم الروح يخبرك إن هناك شيئاً ما تفعله خطأ!!


ولكن هناك ألم لا يخبرك ألا أنك تحبهم, ألم ( فراق الأحبة) و ألم ( المرض)  ولكن هذا الألم هو سنة الكون, ويجب أن نتقبله وخصوصا إننا في حياة مؤقته لم ننتقل لحياتنا الأبدية بعد!!



ولهذا يجب علي كل إنسان أن ينتقي كلماته ويحسنها, وقبل كل هذا يحاول أن يفهم ماذا يقول الإنسان الذي أمامه؟! ولا يسئ الظن ولا الفهم..لا يصدر أحكاماً قبل أن يفهم جيداً!!

أسلوب الإنسان وكلماته هي التي تجعل الناس تحبه أم تكره, تسمعه أو أن تسد كلاتا أدنيها, تأثر سلباُ أم إيجاباً..


لاتترك صورة بداخل الناس تألمهم كلما تذكروك..ويبكون..

بل أترك بداخلهم صورة كلما تذكروك ابتسموا وفرحوا وتمنوا أن يشاهدوك..حتي في وقت محنتهم تجعلهم ينسون بعض ما يحزنهم!!

حوليات 1 - رمضان!!

فانوسي




( رمضان) دائماً أشعر بأنه روح تنزل علينا وليس أسماً  لشهر هجريا, أشعر بأنه محسوساً وملموساً  وكأنه ملاكاً رغم أني لا اراه علي هيئة معينة, أشعر بأنه روح تسكن روحي وطيفه لا يتركني, وأنا صغيرة كنت أنتظر قدومه بفارغ الصبر لكي أجهز نفسي من أجله, فأجهز خليط ( النشاء والماء) لكي ألصق به الزينة, واشتري زينة (كروشيه) ألوان أحمر وأخضر وأزرق, وأجلس علي الأرض وأبدأ بقص الزينة علي هيئة شرائط وأبدأ بلصقهم, وعندما إنتهي كانت الإبتسامة تنير روحي وأبدأ بسحب الزينة وأجري بها في أرجاء المنزل ثم أذهب إلي البالكونة وأعلقها وتظل يداي الصغيرتان تداعبان الزينة وعيناي تراقبان أبناء الجيران وهم يصنعون (الفانوس الخشبي) ويتمازحون ويضربون بعض بالعصيان  الخشبية ثم يغلفونه (بجلاد ملون) ويربطونه بحبل ثم يصعدون إلي بيوتهم ويخرجون من البالكونات ويبدأون في سحبه وكل منهم يبدأ في توجيه الآخر: ياغبي شد شوية عشان يكون في النص..

وعندما ينتهون ينيرونه فتتعالي صيحات الفرحة والصفير والتصفيق ورغم تعبهم إلا إنهم ينزلون مرة أخري ويبدأون في تركيب (اللمبات) و يتمازحون وينبه كل منهم الآخر بأنه يحترس لكي لا يكسر اللمبه ولا يمر لحظات إلا وأحدهم يجري بطريقة عشوائية فيكسر اللمبة, و يبدأ كل منهم في ضرب الآخر..وأنا لا أتوقف عن الضحك, وتظل يداي تداعبان الزينة ..إلي أن تنادي علي أمي..أن دار الإفتاء علي القناة الأولي لكي تذيع هل رمضان غداً أم لا؟! فأقفز من علي الكرسي وأحاول ألا أقع, فأقع ولكن لا أكترث وأكمل جري لكي أشاهد (المفتي) وهو يتحدث, كم كنت أحب أن أستمع إلي كلماته التي تسبق أعلانه عن رجوع شهر رمضان..رغم تلهفي أن ينهي حديثه سريعاً لمعرفة متي رمضان؟! وتظل أمي تقول: شكله مش بكره ..وأنا أنظر لها بتهجم وأقول لها: لا بكره, وما إن يعلن إنه غداً..أسمع التصفيق والتهليل يملأ أرجاء الشوارع, أكاد أسمع جميع الشوارع في آن واحد, وكأنه أعلن عن قدوم الفرحة!!

هو بالفعل فرحة!! ففيه تحبس الشياطين وتنتشر الملائكة, فيه يحبس الشر وينتشر الخير, فيه يحبس الهم وينتشر السكينة والأمان!!

ومع هذه الفرحة  المختلفة كنت أنزل أنا وأمي لكي أشتري (الفانوس) وأظل أتفرج علي الشوارع التي زينتها الأنوار والفوانيس والزينة الورقية وكأنها تحولت إلي ( كرنفال) والأطفال الذي يجرون يميناً ويسارأ ومنهم من إنتهي من الزينة ويلعبون الكورة ومنهم مازالون يعلقون الزينة, و(كرنفال الفرحة) تجدها في كل مكان, تنبعث من العمائر ومن وشوش الناس, تشعر كل شئ دب فيه الفرحة مرة أخري تكاد أن تستنشق رائحة الفرحة, تشعر بأن عادت الحياة مرة أخري, وكأنك أصبحت في الجنة وليس  علي الأرض!!



أقف عند بائع الفانوس وأظل أتفرج علي جميع (الفوانيس) منها المعدني والذي يضاء بالشموع ومنها البلاستيك الذي يغني: روحت ياشعبان أيوحه ..جيت يارمضان أيوحه..فأشعر وكأني أميرة, أجعله يضئ لي كل فانوس يعجبني, وأحيره معي إلي أن استقر علي واحداً فطلب منه أن لا يضعه في العلبة لأنني سأحمله معي, وبالفعل أخده منه وأضيئه وأظل أغني وأنا ممسكة بيدي أمي: وحوي  يا وحوي..

ويغطي علي صوتي, صوت بائع الفول والبليلة: فوووووووول, وقبل أن ينادي فأنا إستطيع أن أعرف قدومه من رائحة الفول والبليلة التي تسبق صوته..أكاد أشعر بدفئ الفول والبليله قبل أن أقترب منه, وعندما أقترب أغمض عيناي لكي استنشق أكبر قدر من رائحته وعندما أفتح عيناي أجد الأطفال يقفون ( بعلب البلاستيك) لكي يضعون فيها حلوتهم ..الفول والبليله, أنا أعتبرها ((حلوي رمضان)) ورغم سخونة العلبة إلا إنهم كانوا لا يضجرون بل الفرحة تغمرهم أكثر!!

وما أجمل عندما أمر علي الدكاكين وأجد الإبتهالات تنبعث منها, أشعر إنها تنبعث من الجدران وليس من الراديو أشعر برائحتة أصوتهم تفوح ريحاناً.. أمثال النقشبندي: مولاي أني ببابك..

عندما اسمعه كنت أتذكر جدي, فلقد كان يحب التواشيح  وكلما سمعتها أدعو لجدي بالرحمة والغفران, فصوت النقشبندي بالنسبة لي يعني جدي ويعني الأمان ويعني لي الكثير, يجعل قلبي وروحي بل كياني بأكمله يضيئون مثل الشوارع, وكأنه صوته هو زينة روحي !!

وعندما أصعد إلي المنزل, أقرئ القرآن الكريم وأصلي والهواء العليل ينبعث من داخلي, أشعر بالفعل وكأن في هواء يخرج من روحي ويطوف حولي لكي يشعرني بالسكينة ونور قلبي  يضئ لي طريقي!!

بعد أن انتهي أظل انتظر (المسحراتي)..وما إن أسمع صوته: يانايم وحد الدايم..أصحي ياشيماء..أصحي يامحمد, فأسرع وأفتح ستائر حجرتي لكي أراه, فأني أراه يعتبر فرحة بالنسبة لي, فدائما كنت أشعر بأنه رجل الأساطير, أشعر وهو يقرع علي طبلته بأنه يحكي لنا حكاية ..حكاية رمضان, فهو من أبناءه لا يحلي رمضان بدونه!!

ثم  أدخل أنام وأنا أحلم بأن يأتي غداً لكي أشاهد فوازير ( نيللي) وكنت اشتاق لها جدا لكي أري استعراضتها وملابسها واشتاق أن أحل فوازير 30 يوم وأن أرسالها في جواب لعل يحالفني الحظ وأكسب وكنت اشتاق إلي استماع (حكايات ألف ليلة وليلة ) وصوت ( زوز نبيل) الصوت الحاني الدي يحلم به أي طفل أن يشدو له أو يحكي له حكاية.. صوتها الذي كان ينقلني في ثواني من زمن إلي زمناً أخر, تجعلني أشعر بأني أعيش مع شهر زاد وشهر يار في زمنهم..تجعلني أحلم بأني أعود إلي الوراء لكي أعيش في نفس الزمن وارتدي نفس ملابسهم وأعيش حياة الأمراء!!

كل شئ كان له روح تسكنه!!

له طعم تتذوقه!!

له عطر تستنشقه!!



لماذا كل شئ في رمضان له روح ومذاق وعطر لا يوجد في أي شهرا آخر؟!



ولماذا طعم الفول ورائحته مختلفين في رمضان مع إنه نفس الفول الذي نأكله طوال أيام السنة؟!



وأتسائل أيضا لماذا إحساسنا و أرواحنا وشكلنا هم أيضاً مختلفين؟!

لماذا ( اللمة) فيها الحب والدفئ والفرحة هم أيضاً مختلفين؟!

لماذا الشوارع والعمائر شكلها مختلف رغم إنها موجودة دائماً؟!

لماذا  يصبح كل شئ أجمل !!

لم أعرف إجابة محددة..

ولكن عندما أصبح كل شئ الآن ليس له روح ولا طعم ولا عطر..عندما أصبحت الفوانيس عبارة لعب أطفال أمثال: كورمبو وسبونش بوب, أشياء لا تمط لنا بصلة ولا يعرفه رمضان وينكر معرفته بهم!!

عندما أصبحت ( الزينة) عبارة عن عن أكياس شيبسي مقصوصة بشكل عشوائي, ولا يصنع الفانوس بل يعلق فانوساً معدنياً توفيراً للمجهود, وعندما أصبح التلفزيون وقراً ( لقلة الأدب والإنحلال) من مسلسلات تحث عن المعصية ولا تحترم إننا في شهر رمضان, وعندما أصبحت الإعلانات لا تعبر عن أي شئ..إعلانات السمنة والمياه الغازية والسكر التي تعبر فقط إن رمضان شهر الطعام وكأن لا يوجد طعام ولا شراب في سائر الشهور, و وعندما أصبحت الإعلانات التي تحث الناس علي التبرع هي إعلانات غير آدمية,  وعندما أصبحت ( اللمة) لمجرد الأكل فقط, وعندما أصبح ( المسحراتي) دوره ثانوي..وعندما أصبح شهر رمضان يميزه دهابنا إلي ( الهايبرات) لتخزين أكبر قدر من الطعام وكأننا داخلين علي حرب..وليس شهر عبادات ..


عرفت الإجابة..

( البركة) البركة كانت تسكننا وتسكن كل شئ من حولنا, والبركة هي التي كانت تجعل لكل شئ نفعله طعم وروح وعطر, البركة التي تأتي مع رمضان ولا تفارقه, البركة التي كانت تكبر بسبب  قربنا من الله وحبنا وودنا وفرحتنا مع بعض, البركة التي كانت تكبر بأصوات الصلاة التي تهز أروحانا فنبكي ونحن في منازلنا, البركة التي كانت تكبر عندما نقدس شهر رمضان, البركة التي كانت تشتعل بنا!!

أم الآن فلا يوجد بركة..

يأتي رمضان ببركته ..

فلا نستقبله هذا الضيف الكريم..استقبالا يليق به..

ولا نستعد له..

ننشغل بالطعام ونسينا الفرحة التي ننتظرها مع قدوم رمضان..

أصبحنا نلجأ إلي السعادة السريعة..التي تنطفئ قبل أن تشتغل..

أصبحنا لانصنع فرحتنا..

فنجري وراء الطعام والتلفزيون ..

ونجري وراء شهواتنا..

وننسي بركة رمضان..

البركة فرصة ياأما تغتنمها لكي تشعر برمضان..لأما تسلب منك فتشعر بأن شهر رمضان مثل باقي الشهور!!


no copy

no